بقلم أحمد حكمت – مختبر النقاد (الدورة الأولى)
من عنوانه المُربِك والوجودي، مرورًا بملصقه الدعائي القائم على صورةٍ لعائلةٍ تبدو في مناسبةٍ سعيدة، لكن أيضًا بإيماءةٍ إلى أنّ شيئًا ما سيمزّق هذه الصورة، بتلك المعطيات ومن دلالات العنوان والدعاية، يتولّد ذلك الانطباع الداخلي متحوّلًا إلى إغراءٍ ودافعٍ قويٍّ يُحيلنا إلى مشاهدة عمل المخرجة شيرين دعيبس، وفيلمها الموسوم «اللّي باقي منك». في عملها الأخير هذا، تخلق دعيبس كائنًا من العدم يسير بنا مع الشخوص الحيّة والأحداث. كائنٌ غيرُ مرئيّ، لكن تشعر بوجوده حولك، يتنفّس الأحداث، يتغذّى على مسرّاتها ويـَئِنّ من أوجاعها، يبقى حيًّا طوال أحداث الفيلم. تُفصِح دعيبس عنه، بنفسها كممثلة، عبر لقطةٍ لامرأةٍ عجوزٍ في مواجهة الكاميرا، لتسرد حكايتها من البداية ومن ذاكرتها.
من ماضٍ متعدّد الأزمنة وبسيناريو من كتابتها، تعود دعيبس بخطاها نحو الماضي البعيد، وتحديدًا من العام 1948، لتسرد أحداث فيلمها من خطّين: الأول الخاص المتمثل بالأسرة، والثاني العام والذي سيتمثل بالتاريخ الزمني للأحداث. تتمحور أحداث الفيلم حول عائلة «شريف» والتي على مدار أكثر من سبع عقود متتالية ستعاصر وقائع الهم الفلسطيني المرّ، وتحديدًا هنا تعشق الخط الخاص بالعام لتبرز التأثير على أفراد العائلة برمتهم. بدءًا من النكبة في العام 1948، ومرورًا بالتهجير والعيش في الشتات في سبعينيات القرن الماضي، ثم زمن الانتفاضة في ثمانينيات القرن ذاته، وانتهاءً بالزمن الحالي، والذي سيمثل حتمية البقاء من خلال الفعل الإنساني السامي للأبد. بذلك السيناريو، تلملم دعيبس الخطوط المتشابكة للعام والخاص لتنتج تطريزة لونية تم نسجها عبر الزمن بمنتهى الحساسية والحميمية المفرطة. من جانب آخر، تعول أيضًا على مأساوية المؤثرات الخارجية الصادمة لخلق الدافع النفسي والعاطفي للشخوص في مسار الأحداث. عند النظر لهذا الإطار البنيوي العام للفيلم، تصوغ دعيبس لغة حوار بسيطة هادئة ومفعمة بالحسيّة النقيّة، وفي أحيان أخرى تساير تأثيرات الواقع العام بخلق لغة غاضبة، وفي أحيان أخرى مدمّرة أيضًا. لأكثر من ساعتين ونصف في حكايتها للعام والخاص، لا تتركك دعيبس كمشاهد تائهاً أو شارداً، بل تستحضر كل حواسك لتجعلك بالمقابل تراقب وتعايش بذاتك الإنساني الوجع الوجودي العام والتشظّي النفسي الخاص.
لا يكفي النظر إلى فيلم «اللّي باقي منك» من دون التعريج على الوسيلة المتعلقة بالصورة، تهتم دعيبس بها على نحو لافت، وتدعمها بقدرتها على استخدام الألوان المناسبة لكل عصر زمني في الفيلم: تشكيل الألوان داخل الصورة يرتبط بالأحداث العامة، فتعمد في الجزء الأول إلى الإكثار من اللون البني والأخضر والأبيض لتعكس التناقض بين بساطة الحياة وطابعها الهادئ، وتواتر الظروف الخارجية المحيطة بالشخوص. وبالقفز إلى الجزء الثاني، تميل ألوانها إلى البني الداكن والرصاصي لتبرز أكثر وطأة عيش الشخصيات الشاحبة، المنهكة، والبائسة في الشتات. أما في الجزء الأخير، فتعطي مساحة للأحمر كدلالة عن الحتمية والخطورة مما هو آت. تشكيل الألوان هذا داخل بنية الصورة في كل جزء من الفيلم مدروس، وذلك لمعرفة: أين ستقوم بتوجيه لقطاتها من الناحية الزمنية، وكيف ستقوم بتنفيذها؟ لنأخذ مثالًا على ذلك: لقطة مواجهة «شريف» لجنود الاحتلال في الجزء الأول تجعل من «شريف» في قلب الصورة وتحت ضوء الشمس في المواجهة المحتدمة. مثال آخر في الجزء الثاني يتجلى في لقطة الحاجز العسكري في مخيم اللاجئين، وهنا تجعل من «شريف» وأبنه «نور» في قلب الصورة وتحت الشمس أيضًا يواجهان جنود الاحتلال. يتكرر المشهد أخيرًا في الجزء الثالث لـ «نور» وهو يواجه الجنود بالحجارة في فترة الانتفاضة. دلالات كل تلك المشاهد، بتوجيه الكاميرا مباشرة صوب الشخوص بلقطات قريبة وبالألوان الطبيعية، تمنحنا أحاسيس متباينة عن: الخطر مقابل البقاء، القهر مقابل الكرامة، الهوان مقابل الفعل. هنا تجعل دعيبس من فعلها السينمائي، ممثلًا بالصورة، أدوات جذابة ملتصقة في الذاكرة، التي ستستقبل ذلك الوجع عبر حوارات بسيطة وتطبع هناك عبر صورة عميقة بالغة التأثير.

وكما في ثقل الصورة وألوانها، يتماهى الممثلون في أداءاتهم عبر المساحة الزمنية للفيلم ليعكسوا الجانب المتوتر والمغترب. إذ بدءًا من فضاء الأداءات الواسعة لشخصيات الأطفال في الفيلم بالبراءة والعفوية، وانتهاءً بذلك الضيق الذي يصاحب أبطال الفيلم الرئيسيين وانحسارهم كحجوم وبهاتة ألوانهم على مستوى اللقطات. هناك ميزتان في أداءات الفيلم: الأولى تكمن في تعميق صورة الألم الممتد عبر الزمن، إذ تشعر من خلال الأداءات أنك تعيش ذات الألم بشكل أنيّ وكأنك قد مررت بنفس تجربة الشخوص. وهنا تكمن الميزة الثانية للأداءات، والمتمثلة ببلاغة الصمت، إذ لا توجد انفعالات زائدة، بل أن كل شيء مبني على سكون الألم.وتحديدًا من هذه النقطة يمكن مشاهدة فيلم «اللّي باقي منك» بصمت الأداءات، ولكن دعيبس تعمد بذكاء إلى تعميقها بمفردات بسيطة ومختزلة لصورة الألم، مما جعل الأداءات التمثيلية تتألق، تاركة الأثر الشعوري الدافئ لكن المؤلم في ذات الوقت.
على أن أبرز تناقضات الفيلم تجعله مباشرًا وصادقًا في ذات الوقت. يكمن ذلك في عدم وضوح الجانب الآخر، المتمثل بالمحتل في الفيلم، وعدم أخذه الحيز الكافي كشخوص تمثيلية، بل إننا لا نُشاهد بوضوح وجه المحتل في الفيلم، ويتبادر أثر ذلك السؤال التالي: لماذا تعمدت دعيبس عدم إظهار المحتل كشخوص تمثيلية؟ ولعل أبرز إجابة عن ذلك تتجلى ببساطة الرمزية، من وجود الاحتلال عبر الفعل الذي ينتهجه والأثر الذي يتركه خلفه، أي ذلك الأثر المطبوع على الأرواح والأشخاص والأماكن. فيلم دعيبس داكن في فكرة تعميق الاحتلال الغائب الحاضر، إذ سيمسي وجود ذلك المحتل بلا روح، لكنه بميزة أخرى على مستوى السيناريو يبرز كفعل هام وعميق. إنه محور كل شيء نحو المأساة، ولكن من دون أن نراه على الشاشة. وهنا، لو افترضنا الذاكرة ككائن غير مرئي داخل الفيلم، فيسكون نقيضه هو الدمار. تتعمد دعيبس أن يخاطب فيلم «اللّي باقي منك» المشاعربصفة خفية، داخلية، إذ أن الفيلم لا يفترض واقعًا لم يتم مشاهدته أو معرفته من قبل؛ سيغدو ذلك الشيء نمطيًا وساذجًا للغاية. لكنه من جانب آخر، يـعيد استحضار المأساة عبر وسيط الذاكرة، في مخاطبته للنفس الإنسانية بعقلانية وعاطفة جياشة تارة، ويجتاحها تارة أخرى بصور داكنة ومظلمة عن قسوة الفعل الواقعي.
بربط الخطين العام والخاص لفيلمها، تنجح دعيبس بخلق الرمزيات المبطنة لفيلمها، بانية حكايتها على عاملي الزمن والذاكرة. إذ تبقينا دعيبس على تواتر مستمر وتكرّس لرمزية الزمن الجزء الأعظم في بواطن أحداث فيلمها. فالزمن لديها في الفيلم ليس مجرد قدر أليم ومأساة لشعب عبر التاريخ، بل وَطِئْتُه تكمن في العودة إلى الخلف، مقتلعة جزءًا من الماضي ليصب في خانة الحاضر. كذلك، ومن جانب آخر، تنتهج دعيبس مفهومًا شديد القسوة للبطء الزمني وتفرد له أشكالًا متعددة عبر الأجواء العامة من الاحتلال، التهجير، والفقد. الزمن لديها مستبد بالشخوص بقسوة، ولا يترك عليهم إلا الندوب التي لن تندمل عبر السنين. برغم ذلك، وعن الخصوصية الجميلة فيلمها ، تخلق دعيبس من الذاكرة المتجسدة نقيضًا مقاومًا للزمن، حتى وإن كانت تلك الذاكرة تائهة بين الماضي المثقل والحاضر المعطّل. لكن، وفي ذات الوقت، ستمثل بالنسبة لدعيبس قطعة من الروح تبقى نابضة بدفء المشاعر الرقيقة أو بالحوارات البسيطة الحانية بين شخوصها. تشكلها دعيبس بصورة امرأة في رمزية واضحة وغاية في الدقة، ككائن بشري يحيا عبر الأزمنة ليشهد كل الأحداث، من آلام النكبة وقسريّة الشتات، وانتهاءً بالفقد. روح الذاكرة لدى دعيبس تختزن كل شيء، لا تموت، بل تبقى حيّة للأبد. تختزن السعادة والفرح والألم والمعاناة، ولكنها أيضًا تحفظ وعدًا ما، تودّعه دعيبس في البحر المحيط بيافا، مُذَكِّرَةً أن ما تبقّى منا سيقودنا يومًا ما إلى الديار مجددًا.
هذا المقال هو نتاج الدورة الأولى من ورشة “مختبر النقاد” لدعم الساحة النقدية العربية من تأطير المنذر الدمني و تنظيم شاشات – الجمعية التونسية للسينما و الثقافة ,ديسمبر 2025 -جانفي 2026