بقلم محمد الصادق مكاحلية – مختبر النقاد (الدورة الأولى)
غالبا ما كانت صناعة أفلام الرعب، و مشاهدتها نابعين من رغبة الإنسان في مواجهة مشاعره وأفكاره الدفينة، والتي تكون في معظم الأحيان سوداوية، سلبية ومعقدة، إلى درجة أنه يصعب عليه التعبير عنها من خلال الكلمات. لذلك يرتكز على الفن والأفلام تحديدا, خاصة في وقتنا المعاصر، نظرا لقدرتها غير المحدودة على صياغة المشاعر والأفكار بطرق مختلفة ومتفردة، مباشرة كانت في طرحها أو معتمدة على الرمزية كعنصر للسرد.
ففي اليابان، فيلم السحلية الضخمة الذي صدرت أول نسخة له سنة 1954 لم يكن سوى انعكاسا لصدمات الماضي القريب التي تبعت انفجار القنبلتين النوويتين والإشعاعات الصادرة عنها.
وفي ألمانيا، فيلم «نوسفيراتو» الصادر سنة 1922، كان انعكاسا للخوف من الغريب الذي يدخل المدن دون سابق إنذار، وكذا المرض المميت الذي لا دواء له. هذه المشاعر التي تولدت لدى سكان أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى وموجة الحمى الإسبانية التي . ضربت القارة بأكملها آن ذاك.
و كذلك العديد من أفلام طرد الأرواح، التي من الواضح أنها ألهمت يانيس كوسيم للتطرق لمآسي العشرية السوداء في الجزائر من خلال فيلمه الروائي الطويل الأول، تحت عنوان “رقية“. فما علاقة طرد الأرواح بالحرب الأهلية؟ هل كان بحاجة للرعب لسرد القصة؟ وإلى أي حد يمكن لهذا التقاطع أن يكون معبرًا، مقلقا، أو حتى صادمًا؟

بعد جولة في عدد من المهرجانات، من بينها مهرجان البندقية حيث رُشّح لجائزة أفضل فيلم ضمن «أسبوع النقاد»، وكذلك مهرجان البحر الأحمر السينمائي، عُرض الفيلم أخيرًا في بلده الأصلي خلال مهرجان الجزائر الدولي للسينما، في 10 ديسمبر 2025. وفي مساء اليوم نفسه، نال الجائزة الكبرى لأفضل فيلم روائي طويل، أي قبل أيام قليلة من خروجه الرسمي في قاعات السينما في 22 ديسمبر.
يتحرك الفيلم بين زمنين: الحاضر وعام 1993، ويتمحور أساسًا حول شخصية أحمد، الذي يعود إلى منزله فاقدًا للذاكرة، ورأسه ملفوف بالكامل إثر حادث سيارة. غير أن عودته تُقابل بخوف عميق لدى طفله، وتبدأ أحداث غامضة بالتكشف داخل البيت. فقدان الذاكرة يمنعه من فهم ما يجري، كما يمنعه أيضآ من تذكر ما جرى في الماضي.
يبدأ الفيلم، ويمضي مشهدًا تلو الآخر و لقطة تلو الأخرى. يدخلنا في عالمه منذ اللقطة الأولى، نعيش مع شخصياته. إلى حد أن فقدان الذاكرة الذي أصاب الشخصيات، يتجاوز الشاشة لينتشر في أرجاء قاعة العرض. إذ كان من الصعب التعرف في البداية على علي ناموس الذي أدى دور أحمد، بالرغم من أنّ هذا العمل يعتبر الثالث له في نفس العام. هذا ليس إلّا دليلا على تجسيده المميز للشخصية، رغم الملامح المخفية. الصوت المرتجف، الضائع، المقلق أحيانا والمزعج أحيانا أخرى، جعلنا نتفهم الشخصية ونتعاطف معها، رغم كونها ليست الوحيدة التي تعاني من لعنة النسيان.
فبين فقدان الذاكرة المؤقت لأحمد، و الزهايمر الذي أصاب الراقي، بين الماضي الدموي والحاضر المؤلم والمستقبل الضبابي، بين الصدمة والموت، يتموضع الفيلم. لا يدين، بل يبحث. لا يقدّم إجابات، بل يطرح أسئلة. يانيس كوسيم ينسج لنا حكاية، دراما مرعبة، لكنها في جوهرها حكاية بلد، مجتمع تتفجر فيه الذاكرة والحنين والصدمات في آن واحد. قد لا نراها دائمًا، لكننا نشعر بها، بل نسمعها ليس بنفس الوسائل، ولكن بالإحساس ذاته، كأغاني الشاب حسني.
صوتٌ يطرد أرواح العنف في فيلم لا تكفّ فيه الكاميرا عن الارتجاف والحركة، قبل أن تهدأ وتستقر في مشهد السيارة، حين يمسك أحمد بيد زوجته. كأن صوت حسني يتحول إلى ملاذ، إلى صوت سلام لجيل من الجزائريين لم يعرفوا، على مدى عشر سنوات، سوى الحرب.
و كإمتداد للحالة السائدة و الجو العام للفيلم، الذي تختلط فيه المشاعر بين الخوف و القلق، و بين المواجهة والحنين. اعتمد الإخراج على لقطات قريبة في معظمها، تساعد على الدخول والتعرف على الحالة النفسية للشخصيات، لكنها في الوقت نفسه تخنق المتفرج. إخراج يعمل بفاعلية في المشاهد الداخلية، يمنحنا علامات داخل الفضاء الحميمي والتاريخي، لكنه يُربكنا خارجه، حتى في اللقطات الطويلة وحركات التتبع المتقنة.
تمامًا كمشاهد الراقي المصاب بالزهايمر، الذي ينسى آيات من القرآن أثناء رقية فتاة ممسوسة، قبل أن يضيع في السوق. حيث نتابع تدهور حالته من خلال الكاميرا التي تتبع تلميذه. و كحال هذا الأخير، الذي يحاول إنقاذ معلمه من الضياع وسط كل هذه العالم مجهول المعالم و الأطر المهتزة. يأتي السيناريو المؤلف من ثلاث فصول تتناوب بين الماضي والحاضر ليختبر ذاكرة المشاهد و يرشده في نفس الوقت. لا يطالبه فقط باستحضار التفاصيل الأولى لفهم الحكاية، بل يغمره أيضًا و يحاول مساعدته في ظل عدم استقرار الكادر وشحّ المعطيات البصرية.
هذا الضياع البصري يُعوَّض بإيقاع مضبوط، يتغير بدقة بين أجزاء الفيلم، وبسرد سلس يحترم منطق العالم المقترح. لا نشعر في أي لحظة بأن الأحداث أو الشخصيات مفروضة قسرًا؛ بل يكشف الفيلم عن تماسكه تدريجيًا.
غير أن هذا التماسك السردي يعيدنا إلى نوع آخر من اللا انسجام، في التفاصيل البصرية. اختفاء ندوب أحمد فور نزع الضمادات، أو الراقي وتلميذه اللذَين لم تظهر آثار الزمن عليهما حتى بعد ثلاثين عامًا. تجعلنا نتساءل هل نحن أمام فيلم مبني أساسا على الرمزيات حيث أن العناصر البصرية تصبح ثانوية؟
يواصل الفيلم مسألتنا، كما يواصل أحمد بحثه عما حدث له، وعن حياته قبل الحادث. ذاكرة مشوشة، رؤية ضبابية، رجل بلا بوصلة، يخاف كل شيء، لكنه يظل محبوبًا من عائلته، هذه النسخة من أحمد التي تفضلها زوجته، مقارنة بتلك التي كانت ما قبل الحادث.
و هنا يطرح الفيلم ثنائيات جديدة: نسيان يبدو نعمة بالنسبة لسلمى، يُترجم بصريًا عبر لقطات أطول، أكثر ثباتًا، وألوان دافئة. في المقابل، يصبح النسيان لعنة بالنسبة لأحمد، الباحث عن ذاته في مرآة تعكس صورة مشوشة. فالنسيان هنا ليس مجرد أداة سردية، بل هو قلب الفيلم. كأن المخرج يدعونا إلى تخيّل سؤال صادم: ماذا لو نسيت الجزائر يومًا عشرّيتها السوداء وصدماتها؟
لكن ما الأكثر إيلامًا: الحرب، أم فقدان الذاكرة، ذاك الذي يسلبك مرجعياتك وربما اتزانك؟
يقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل. وتحديدًا على هذه التفاصيل، حتى التي لاحظنا غيابها، يرتكز رقية. الضماد على وجه أحمد، الأصابع المبتورة، طريقة الرقية الغريبة، البعيدة عن المألوف السينمائي، حيث لا يكون سفك الدم هو الحل الوحيد للخلاص. تفاصيل تعمّق الرمزية إلى حد بعيد.
غير أن هذه الرمزية، بقوتها، تمثل في آن واحد نقطة قوة وضعف. فالإفراط في الاشتغال عليها قد يهمّش عناصر أخرى، مثل الإخراج، توجيه الممثلين، وأحيانًا الأداء نفسه. فالشح البصري، كالإعتماد المبالغ فيه على اللقطات القريبة، وقلت اللقطات البعيدة والأطر الواسعة، التي تساعدنا على التعرف على العالم الخارجي، الحالة السائدة وكذا ردود الفعل على الأحداث الحاصلة بعيدا عن شخصيات الفيلم. تجعل المشاهد تائها و تضيع بوصلته في ثنايا هذا العالم التي تسوده الفوضى، بالرغم من أن نفس تلك اللقطات القريبة ساهمت في اندماجه مع الشخصيات.
رقية قبل كل شيء فيلم عن الذاكرة، الفردية والجماعية. ذاكرة يسائلها الفيلم دون يقين. لا يفسّر، بل يزرع الشك. كما يوجّه نظرنا إلى الذاكرة السينمائية نفسها، سينما بوصفها أداة لحفظ شذرات من التجربة الإنسانية. فالسينما لا تكتفي بتذكيرنا بالأفلام والمشاهد، بل تقوم بوصل الأحداث، وتنسج الحكايات.
وأخيرًا، يذكّرنا رقية بأن السينما وُجدت لتسائل لا لتدين. سينما تساعدنا على تغيير منظورك للأشياء، على مواجهة ذاكرتنا وصدماتنا، ومحاولة تجاوزها وربما الاستعداد للمستقبل. و يثبت أهمية أفلام الرعب و قيمتها كعنصر تعبيري و فني.
هذا المقال هو نتاج الدورة الأولى من ورشة “مختبر النقاد” لدعم الساحة النقدية العربية من تأطير المنذر الدمني و تنظيم شاشات – الجمعية التونسية للسينما و الثقافة ,ديسمبر 2025 -جانفي 2026