راحة العودة: رومنسية المعاناة في فيلم «يوم الدين»

بقلم ريم المولهي – مختبر النقاد (الدورة الأولى)

كم نحب الكراسي المريحة في قاعات السينما و كم تثلج صدورنا القصص التي تبكينا دون أن تجبرنا على المواجهة و يا حبّذا إن تفطّن البطل المقصيّ و المنبوذ إلى أنّه أزعج صفونا و قادنا في رحلة إكتشف بعدها أن لا ضير أن يعود إلى نقطة الإنطلاق بما أنّها الأئمن فتتنفّس أخلاقنا الصعداء. 

لم نكن إذا متواطئين بل كنّا على حق.

راحة العودة : رومنسية المعاناة في فيلم “يوم الدين”

منذ المشاهد الأولى، يقدّم فيلم “يوم الدين”، للمخرج أبو بكر شوقي، نفسه بوصفه عملا شجاعا ينحاز إلى الهامش و يسلّط الضوء على فئات أقصيت من الفضاء الإجتماعي و السينمائي على حدّ سواء، و يَعِدُ بكشف عنف إجتماعي طالما ظلّ مطموسا خلف خطاب التجاهل أو الشفقة. فمن خلال ظهور بطل الفيلم “باشاي” المصاب بالجذام يفرز أكواما من الفضلات و إخراجه من فضاء المستعمرة إلى الفضاء العام تتحفّز أخلاقيّاتنا و نتململ تحضّرا لمواجهة قاسية مع ما نقصيه عمدا. مواجهة غير منتظرة مع العنف و الخوف و الجسد المختلف.

غير أن هذا الوعد على قوّته من بدايات الفيلم يتآكل تدريجيّا و يَهِنُ أمام الخيار السردي و الجمالي الواضح للمخرج  الذي يقوم على تغليف المعاناة بطابع رومنسي يجعلها قابلة للإستهلاك و ينتهي بإعادة البطل إلى نقطة إنطلاقه الأولىفي نهاية مطمئنة تخفف من حدّة الألم و تمنحنا شعورا بالراحة الأخلاقية  بعد التململ و تخفّف خوف المواجهة.

رحلة بلا مواجهة 

تقوم بنية الفيلم على نموذج الرحلة : الخروج من المستعمرة، عبور الطريق، ثم محاولة العودة إلى البيت. غير أن هذه الرحلة بدل أن تكون أداة تعرية و إدانة للإقصاء الإجتماعي، تتحوّل إلى مسار دائري لا يغيّر شيئا في بنية العالم الذي يعبره “باشاي” و “أوباما” الطفل النوبي اليتيم تحت وابل السخرية و العنف و الإذلال بل إن قسوته قُدّمت لنا ضمن إطار بصري شاعري تلطّفه الموسيقى و الإيقاع الهادئ للفيلم.  تتوالى التجارب و المواقف التي يعيشها البطلان و لكن لا تتراكم لتفجّر سؤالا اجتماعياً أو سياسيا أو إنسانيا.

الطريق في هذه الرحلة يمثل المواجهة و لكنها جاءت باهتة، تدين دون تصعيد و تفضح مع مراعاة شعور المتفرج و لتكون تواصلا لفعل الأب : النبذ بإسم الحماية.

العودة إلى نقطة الإنطلاق 

إختيار العودة الطوعيّة إلى المستعمرة في نهاية الفيلم لم يكن نتيجة لهزيمة أو لإنقطاع السبل بل إختيارا إنسانيا واعيا و هنا يتخلّى الفيلم عن كل وعوده و يختار مسارا دراميّا مطمئنا مخلّصا من كل عقد الذنب التي كدنا نتبناها فتخدش إحترامنا لذواتنا.

هل هو تطبيع مع الإقصاء و النبذ؟ أم هي شاعريّة تجعل الألم محتملا؟ أم تجميل للقسوة ؟ 

الفيلم يسمح للمشاهد التعاطف لكن دون إجباره على تحمّل المسؤولية. فإن تأذّى الضمير أعدنا المنبوذ إلى هامشه و جعلنا منه وطنا دافئا.

براءة ! 

هكذا تعالى الصوت في محكمة قاعة السينما. بكينا و تعاطفنا و أشفقنا و تأثّرنا لكننا لم نُساءل. كأم تجري لإسكات نحيب إبنها، جرى لنا الفيلم ليبرّأنا و يخبرنا بأن لا ذنب لنا و أن لا دور لنا داخل منظومة الإقصاء و أنّ البطل نفسه خيّر العودة، فنعود إلى جلستنا المريحة في كراسيّنا الوثيرة مرددين أن الحب و الإخلاص الذي رأيناه بين “باشاي” و “أوباما” كافيان للتصالح مع هذا العالم الظالم.

هكذا يتحوّل خطاب الفيلم إلى سرديّة تصالحيّة تخدّر الضمير و تمسح الذنوب.

سينما تعجب ضميرنا أم تزعزعه؟

لا يمكن إنكار واقعيّة يوم الدين و صدقه، و لا يعتبر توجّهه هذا ضعفا فنيّا بقدر ما هو موقف واضح، فالمخرج إختار للفيلم أن لا يكون صادما و مقلقا بل مطمئنا بنهاية دائرية تعيد كل شيء إلى مكانه، يجعلنا نعيش إنسانيتنا دون مخاطر.

فهل يكفي الجمال و الموسيقى لتجميل الهامش؟ 

و هل يكفي دفء العلاقات الإنسانية و التعاطف لتبرئة المجتمع ؟ 

أم أنّنا نحتاج لسينما لا تشبه خدرنا و جبننا بل سينما مزعجة و مزعزعة؟


هذا المقال هو نتاج الدورة الأولى من ورشة “مختبر النقاد” لدعم الساحة النقدية العربية من تأطير المنذر الدمني و تنظيم شاشات – الجمعية التونسية للسينما و الثقافة ,ديسمبر 2025 -جانفي 2026