تعايش السينما مع فيروس نقص المناعة البشرية: بين الصورة والوصمة

بقلم يزن جميل – مختبر النقاد (الدورة الأولى)

في فيلم كلمني شكرا(2010) للمخرج خالد يوسف، يقول البطل إبراهيم لعشيقته حينما سألته عن ماهية آلة كبيرة غريبة الشكل قد صادفتها: ” دي بقى السحر يا بت، المكنة دي تدور تلاقي عالم قدامك، دا بيحب ودا بيكره… دا بيقتل ودا بيتقتل.. دا بيتولد ودا بيموت… دي بتطلق… دي بتزغرط، سيما يا بت سيما”

يلخص هذا المشهد البسيط نظرة البطل للسينما وسبب حبه وتعلقه بها، فهي عالم كامل مماثل لعالمنا، فيه طيف واسع من الشخصيات المتنوعة. تماماً كما الحياة التي نعيشها. إلا أن السينما مثلت بالنسبة لإبراهيم مهرباً أيضا، إذ وجد فيها شخصيات رسمت له واقعاً أفضل، وخيالات نقلته من حياته الركيكة إلى واقع أجمل، أشعره بأنه مرئي.. غير شفاف له الحق في الحياة والسعادة، كما أنها كانت بالنسبة له تجديداً للأمل بنهاية سعيدة وإن كانت مجرد لحظة من الرومانسية الحالمة تنتهي بانتهاء الفيلم.

إن ما يجعل السينما بالنسبة لنا كمشاهدين ومشاهدات، هو تلك الأجزاء الحقيقية التي نراها على الشاشة الكبيرة. الشخصيات قد تكون غير حقيقية، ولكن مشاعرها وسياقها وتحدياتها ليست سوى مرآة لواقعنا الخاص كلٌ على حدة. السؤال هنا ماذا لو لم تكن السينما مهرباً مثيرا؟ ماذا لو كانت عدواً واصماً مقصياً لوجودنا؟

تأتيني هذه الموجة من التساؤلات حين أبحث في واقع المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية في السينما العربية. حفنة من الأفلام إتخذت من هذا الفيروس موضوعاً لها، وللأسف أغلبها كانت سطحية، لوامة وواصمة للمتعايشين. في رحلة البحث وجدت ثلاثة أفلام مصرية أخذت من فيروس نقص المناعة البشرية محوراً لها (الحب في طابا – الحب والرعب – أسماء).

الحب في طابا

معلقة الحب في طابا

فيلم من إخراج أحمد فؤاد، عرض سنة 1992، من بطولة ممدوح عبد العليم و هشام عبد الحميد و نجاح الموجي وغيرهم. يتتبع الفيلم رحلة مجموعة من الشباب الى شرم الشيخ لقضاء الإجازة، حيث تتحول الرحلة بالنسبة للثلاث ابطال من سياحة ترفيهية الى سياحة جنسية عند التقاء الشباب بثلاثة شابات أجانب. بعد انقضاء العطلة وانتهاء الحب في طابا، تعترف الشابات بأنهن “مصابات بمرض الإيدز” عبر ثلاث رسائل يتركنها للشباب. تبدأ هنا رحلة الشباب في تقبل الواقع والتعامل مع العائلة في جو يسوده الخوف من نقل المرض وواقع مليء بالسوداوية إلى أن تأتي النهاية بانتحار أحدهم وتسليم الآخرين نفسيهما للشرطة وبالتالي للمؤسسات الطبية المختصة.

تناول الفيلم الموضوع بمعلومات طبية ركيكة، بل وخاطئة تماماً، قد ننسب ذلك الخطأ لسنة الإنتاج وحجم التطور الطبي آنذاك لولا أن فيلم “الحب والرعب” أصدر في نفس العام وكانت المعلومات الطبية متقدمة جداً نسبة لما قدم في “الحب في طابا”. لم تكن تلك أكبر مشكلات الفيلم، الإشكال الأعمق كان في التعامل مع المرض وأثره على المتعايشين في الفيلم، حيث أعاد الفيلم إنتاج الأفكار الإجتماعية الخاطئة المحيطة بالموضوع.

أصر الفيلم على ترسيخ فكرة قدوم المرض من الغرب فاصلاً الواقع المصري عن العالم بشكل يضع كل منهما على قطبي الطهر والعهر، مؤكداً على أن الانحراف عن المعيارية الاخلاقية السائدة يقود الى المرض ومن ثم “المصير هو الموت”. في الوقت نفسه برر الفيلم إنحراف الشبان الثلاثة بالإغراء وشهوة الرجل غير المتحكم بها أمام انحراف الغرب (المنحرفون الوحيدون في هذه الرواية)، كما أنها كانت خطيئة لحظية من قبل الشبان، لحظة ضعف أمام الخطيئة الحقيقية “المرأة”.

أما بالنسبة لتعامل الفيلم مع الوصمة الإجتماعية، فبالرغم من أن أحد الشبان (طبيب نسائية)، إلا أن الخوف من السلطة الطبية والحكومية كان مهيمناً، والمصير إما الحبس حتى الموت في إحدى المرافق الطبية أو الموت نفسه. هذا التصوير للإجراءات الحكومية والطبية والتعامل المجتمعي مع المرض، جاء بمثابة تحذير للمتعايشين: اختبئوا، وموتوا في زاوية مظلمة لا يراها المجتمع.

ينتهي الفيلم بإستسلام الطبيب وصديقه بعد فشلهما في عزل نفسيهما عن المجتمع، للمؤسسات الحكومية. بعدما انفصل الطبيب عن زوجته وابتعد عن ابنه الرضيع وتخلى الثاني عن امه واخته، فيما انتهى أمر الشاب الثالث بالانتحار خوفاً من وصمة لم تطله بعد. كانت رسالة الفيلم واضحة: “الإنحلال” واتباع الغرب مصيره العزلة والموت.

الحب والرعب 

فيلم من إخراج كريم ضياء الدين ومن بطولة شيريهان و محمود الجندي . رغم صدوره في نفس العام كما فيلم “الحب في طابا” 1992، إلا أنه كان أكثر تقدمية في طرحه. حافظ الفيلم على السوداوية ذاتها تجاه الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، لكن الاختلاف كان في صوت المتعايشين أنفسهم.

معلقة فيلم الحب و الرعب

يتتبع الفيلم هند العائدة من امريكا الى مصر، حاملةً جثة زوجها المتوفي نتيجة إصابته بفيروس نقص المناعة بعد أن نقله لها. تعود هند دون إخبار احد من أهلها في محاولة للإنعزال عن المجتمع والناس. يأخذنا الفيلم في رحلة نقل العدوى من هند الى حبيبها السابق أحمد. يسلم أحمد نفسه الى المؤسسات الطبية وحين سؤاله عن طريقة انتقال العدوى له، أقر على هند واسمها الكامل وشكلها، حيث تتعاون هنا المؤسسة الطبية والقوات الامنية في رحلة البحث على هند لإلقاء القبض عليها بنية إيداعها في المشفى حيث تُنفى هناك إلى أن تَفنى.

من النظرة الأولى، يبدو الفيلم امتداداً لأفكار الفيلم السابق: الوصم نفسه، والتقابل الأخلاقي بين الشرق والغرب، والمرض القادم من أمريكا إضافة إلى التخويف من الفضيحة , إذ نشرت صورة هند في الصحف قبل القبض عليها. إلا أن الإختلاف الجوهري ظهر في تساؤلات هند أثناء القبض عليها حين سألت عن سبب التعامل معها بهذه الطريقة، وما الفارق بين “الإيدز” وأمراض الضغط والسكر وغيرها من الأمراض السارية، حيث ظهرت في مشهد القبض عليها صارخةً: ” أنا مريضة مش مجرمة”. كانت تلك الجملة لحظة نقد واضحة للسلطة الطبية والأمنية كما أنها كانت بمثابة مواجهة للمجتمع بحقيقة المرض نفسه والوصمة حوله.

تميز الفيلم أيضاً أنه لم يأخذ من “الإيدز” قصة لكل الفيلم، بل كانت القصة الحقيقية تأخذ طابع افلام المطاردة حيث تخطف هند من قبل عصابة تحاول اغتيال احدى الشخصيات المهمة من خلال المرض نفسه عن طريق هند. وقد كانت تلك القصة بمثابة تساؤل آخر حول إستغلال المتعايشين وطرق حمايتهم في حين أن المؤسسات الحكومية تلاحقهم مما يجعلهم كمن وقف امام البحر والعدو من خلفه.

أسماء

أنتج الفيلم عام 2011 للمخرج عمر سلامة، من بطولة هند صبري و ماجد الكدواني و يتتبع رحلة أسماء في البحث عن مشفى يقبل إجراء عملية جراحية للمرارة، في ظل أنها متعايشة مع فيروس نقص المناعة البشرية, تنقطع السبل بأسماء إلى أن تقرر الظهور في برنامج اجتماعي تلفزيوني، لتعرض قصتها و تستنجد بالمجتمع والمسؤولين لتأخذ حقها في العلاج مثلها مثل باقي المواطنين.

معلقة فيلم أسماء

لامس الفيلم معاناة المتعايشين، لا بسبب المرض نفسه، بل بسبب المجتمع بجميع أركانه. تمر أسماء في الفيلم بعدة أزمات, إجتماعياً، من خلال تعاملها مع الجيران والمعارف، وحتى علاقتها بأبيها وإبنتها، حيث تعيش عازلةً نفسها، بعيدة عن الجميع. اقتصاديا، من خلال إظهار صعوبة حفاظها على وظيفتها، حيث تخسر أسماء عملها في الفيلم بمجرد علم الشركة بحالتها. طبياً، عبر رفض علاجها من قبل المراكز الطبية الحكومية والخاصة فقط لكونها متعايشة.

منذ البداية يناقش الفيلم  ما يمكن تسميته بسؤال المليون: من أين أتت العدوى؟ سؤال سخيف، واصم يوجه لأسماء من قبل الجميع. من بعض الأطباء من أقرب الناس لها كإبنتها, من الإعلامي المثقف الواعي الذي جعل السؤال شرطاً من شروط ظهورها في البرنامج جنباً الى ظهورها بوجهها من دون إخفائه، وحتى من قبل بعض المتعايشين الآخرين. ترفض أسماء الإجابة منذ البداية وتصر على ذلك حتى إنتهاء الفيلم.

أعجبت بتمسك أسماء بعدم الإجابة نهائياً بكل حزم عن “سؤال المليون”. لأن السؤال بحد ذاته هو أداة وصم، لكن الفيلم نفسه لم يصمد امام هذا الموقف, إذ لجأ إلى إستعراض ذكريات من حياة أسماء للإجابة الضمنية عن السؤال. هنا وجدت نفسي في حيرة، بين مخرج أراد إستخدام -عدم الإجابة عن السؤال – كسلاح ضد الوصم داخل الفيلم، وبين إجابة تشفع لأسماء في أعين المشاهدين. كنت أفضل لو بقيت الإجابة سلاحاً موجهاً أيضاً ضد فضول المشاهدين، لا فقط ضد شخصيات الفيلم.

يناقش الفيلم أيضاً فكرة أن العقلية الواصمة للمتعايشين والمرض نفسه، لا تفرق بين جاهل ومتعلم، بين قريب أو غريب فالكل واصم ولا أحد يريد أن يفهم. حتى المذيع الذي اراد مساعدتها والدفاع عن حقها في العلاج، حملت أسئلته أثناء المقابلة التلفزيونية تشكيلة واسعة من الوصم ولوم الضحية والتشديد على سؤال من أين أتى المرض، كما أنه كان مصراً منذ البداية على أن تظهر أسماء دون أن تخفي هويتها مبرراً ذلك بأن أصحاب الحق لا يجب أن يكونوا خائفين! فكيف سنواجه المجتمع إذا كان أصحاب الحق أنفسهم خائفين من المواجهة.

هذه الفكرة التي طرحها الفيلم عن مواجهة المتعايشين للمجتمع لأخذ حقهم، ما هي إلا فكرة عقيمة وتحمل في طياتها إنفصال ذكوري عن الواقع، وتشبه المقولة المهينة “المرأة عدوة المرأة”. المتعايشين هم جزء من نسيج هذا المجتمع الواصم ولا يمكن لومهم في حال انعكست الوصمة عليهم أو أعادوا انتاجها على أنفسهم. في هذا الخطاب الائم للضحية، نرى كبر الفقاعة التي يعيش فيها كل من يلوم (غالباً رجل) لديه العديد من الامتيازات بحكم نوعه الاجتماعي فقط لا غير، يتحدث من برجه العاجي عن أمر لن يؤثر به إطلاقاً فهو غير ملامس لتقاطعية المشكلات الاجتماعية التي يمر بها المتعايشين أو في هذه الحالة إمرأة متعايشة مع “الـإيدز” وهي في مجتمع أبوي ذكوري لديها هموم المرأة غير المتعايشة في نفس الوقت.

قد تظهر أسماء وجهها وتحارب الوصم به، ولكن ماذا عن علاقتها بابنتها التي لامتها؟ ماذا عن علاقتها العاطفية التي انتهت بمجرد إظهار وجهها, إذ تركها خطيبها لأنها أظهرت وجهها في البرنامج,و ماذا عن مجتمعها، حارتها والناس من حولها؟ بقيت أسماء تعيش في نفس العالم، إظهار وجهها غير كل شيء على نحو أسوء. هذا ما يجول في بال كل المتعايشين، ليس ضعفاً أو صمتاً بل حسباً منطقياً وطبيعي للبقاء لا للخضوع.

لا يمكن النظر الى السينما بوصفها مجرد مرآة تعكس الواقع، فهي أيضاً أداة للتشكيل والتكريس والمسائلة. حين تختار السينما أن تتعامل مع المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية بوصفهم خطراً أو عبرة لمن يعتبر، أو اختزال وجودهم في سؤال المليون “من أين أتت العدوى؟”، فهي لا تكتفي بسرد حكاية، بل تشارك فعلياً في إنتاج الوصمة الإجتماعية وإعادة توزيع الخوف وتقسيم المجتمع بين قطبي النور والظلام بتعالي وانفصال تام عن الواقع. أما حين تقترب السينما من الإنسان، من حياته، من هشاشته، ومن حساباته البسيطة للبقاء، تصبح مساحة محتملة للفهم والعرض، لا للتطهير الأخلاقي والإقصاء.

السينما التي نحتاجها ليست تلك التي تمنح المتعايشين لحظة تعاطف عابرة تنتهي بلم الإيرادات وانتهاء التصفيق ولا تلك التي تطلب منهم الشجاعة بوصفها شرطاً للإعتراف بإنسانيتهم. ما نحتاجه هو سينما تتوقف عن محاكمتهم، عن مساءلتهم، عن مطالبتهم بتبرير وجودهم. سينما تفهم أن الخوف ليس عيباً فردياً، بل نتاج منظومة كاملة بنيت على الخوف، وأن الصمت غالباً ليس جبناً، بل إستراتيجية نجاة.

ربما لا تمتلك السينما القدرة على تغيير الواقع، لكنها تملك القدرة على تشكيل الخيال العام. في سياق ما زال المتعايشين محاصرون بالوصمة، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نصورهم، بل لماذا نصر على تصويرهم دائماً بوصفهم إستثناء، غرباء ومفصولين عن الواقع. حينها فقط، يمكن للسينما أن تكون مهرباً مرة أخرى، لا عدواً، ولا حكماً، ولا ساحة إدانة.


هذا المقال هو نتاج الدورة الأولى من ورشة “مختبر النقاد” لدعم الساحة النقدية العربية من تأطير المنذر الدمني و تنظيم شاشات – الجمعية التونسية للسينما و الثقافة ,ديسمبر 2025 -جانفي 2026