مهيمن كشون
كيف يمكن لبلدٍ أن يعيش بعد الحرب من دون أن يتذكرها؟ وهل النسيان فعل شفاء، أم شكل آخر من أشكال العنف المؤجل؟
في عام 2014، أي بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام القذافي، بدأت مدينتي طرابلس تتغير وتتخذ شكلاً جديداً من الفوضى؛ حيث انتشرت المليشيات كظلال الليل، وظهر ما أسميه “خفافيش الظلام”. ومع أول تفجير للأضرحة وسرقة الآثار، وتهشيم الأماكن الثقافية، دخلنا رسميًّا في دوامة الحرب الأهلية الليبية، حرب “فجر ليبيا”، التي كانت كالصاعقة التي أزالت كل أحلام الليبيين في بناء دولة حقيقية تقوم على العدل والمساواة والديمقراطية. كنت طفلاً لا يتجاوز الاثني عشر من عمري، ومع ذلك كنت أشاهد الجثث التي تتساقط، والقذائف التي تمطر من كل اتجاه، والمدافع المنتشرة داخل الأحياء وتستخدم المنازل كدروع بشرية. كانت الصدمة مرسومة على وجه والديّ الذين حاولوا إخفاء خوفي هذا من مشاهد الدم التي رأيتها. الحرب مزقت طرابلس، ومزقت ليبيا، ومزقت ذاكرتي الطفولية؛ لتصبح مليئة بالصور التي لا تُمحى، صور الخوف والدمار. توالت الحروب بعد ذلك، من عام 2018 إلى 2020، وكل صدمة كانت كبصمة لا تُنسى، وكل انفجار كان كدرس قاسٍ في هشاشة الحياة وأثر العنف على النفس البشرية. لم يكن مجرد دمار للمدن، بل كان دمارًا للروح.
في «حروبنا الطائشة»، لا تسعى المخرجة رندة الشهّال إلى إعادة سرد الحرب الأهلية اللبنانية، ولا إلى تأريخها أو تفسيرها سياسيًا، بل إلى مساءلتها من داخل الجسد العائلي، من حميمية الذاكرة الخاصة؛ حيث تتحول الحرب من حدث جماعي إلى أثر نفسي متشظٍّ، يقيم في الأصوات، في الصمت، وفي نظرات لا تبحث عن أجوبة بقدر ما تكشف استحالة العثور عليها.
أُنجز الفيلم عام 1995، في لحظة ما بعد الحرب؛ حيث أن معظم الأفلام اللبنانية كانت بالتزامن مع الحرب الأهلية والعدوان، مثل فيلم المخرج مارون بغدادي «حكاية قرية وحرب»، وأفلام المخرج محمد سويد الذي كان له كتاب بعنوان «السينما المؤجلة: أفلام الحرب اللبنانية الأهلية»، يصف فيه السينما اللبنانية ويقول: “محاولات فردية متشتتة تنتظر إرساء الأسس الدالة على هوية واضحة، ينتمي إليها السينمائي ويصبح من خلالها الحديث ممكنًا عن إبداع يتخذ مجراه الطبيعي”.
يبني الفيلم حكايتَه من خلال سرد كل ما مرت به عائلتها؛ من والدتها السيدة فيكتوريا نعمان، شقيقتها نهلة، وشقيقها تميم. الحبكة هنا نفسية، داخلية، تقوم على تراكب الشهادات، وتجاور الذاكرات، وتناقض زوايا النظر. كل شخصية لا تمثل موقفًا سياسيًا بقدر ما تمثل طريقة في التصدع. رؤية العالم في الفيلم رؤية مكسورة من خلال معالجتها بصرياً عبر كوادر سينمائية حقيقية؛ حيث اختارت زوايا تصوير محددة مع إضاءة طبيعية لتبين الوجوه عمقاً أكثر، وتبين لنا شعورهم وذكرياتهم المؤلمة. كما ارتكزت في المونتاج على التنقل بين حوارها مع عائلتها وبين أرشيف الحرب والمشاهد الصعبة، وهذا الاختيار التقني يجعل المشاهد يشعر بالحقيقة دون زوائد.
فالحرب في الفيلم لا تُقدَّم كحدث له بداية ونهاية، بل كحالة وجودية طويلة الأمد. والزمن ليس خطيًا؛ الماضي يتسلل إلى الحاضر بلا استئذان، والحاضر يبدو عاجزًا عن الانفصال عنه.وبخصوص المكان فمنظر بيروت بعد الحرب والدمار صادم؛ كيف تحولت من “هوليوود الشرق” إلى مدينة أشباح. بيروت ليست مدينة، بل حالة نفسية: مدينة تتكلم لغات متعددة، تضحك وتغضب وتكره في اللقطة نفسها، مدينة لا تريد أن تُتذكَّر، لكنها لا تكفّ عن الظهور. هنا الأرشيف من الحرب الأهلية اللبنانية والمقابلات، لكن المقابلة هنا ليست أداة صحفية، بل مساحة اعتراف. الكاميرا لا تُحاكم، ولا تُبرّر، بل تصغي. هذا الاختيار الإخراجي يعكس موقفًا أخلاقيًا: المخرجة لا تضع نفسها في موقع العارفة، بل في موقع الابنة، الشاهدة، المتورطة عاطفيًا. وهذا التورط هو قوة الفيلم الأساسية، لكنه في الوقت نفسه أحد نقاط إشكاله.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يكشف الفيلم عن أثر الحرب بوصفها صدمة جماعية غير مُعالَجة. الشخصيات لا تعاني فقط مما حدث، بل مما لم يُقل، مما لم يُناقَش. نهلة، بانتمائها الشيوعي وتجربتها العسكرية، تمثل الجيل الذي آمن بالقضية ثم اكتشف خواءها، في لحظات وجه نهلة الذي يعبر عن الانكسار. وتميم يجسّد الضحية النموذجية؛ مقاتل بلا أفق، بلا ذاكرة مؤطرة، وبلا مستقبل واضح. الأم فيكتوريا تحمل ذاكرة أطول، عابرة للحدود (العراق، سوريا، لبنان)، ذاكرة سياسية نسوية ترى في النضال معنى للحياة، حتى وإن انتهى بالهزيمة. هنا تتقاطع السينما مع الأنثروبولوجيا: العائلة ليست وحدة خاصة فقط، بل نموذج مصغّر عن المجتمع اللبناني؛ حيث تتعايش الأيديولوجيات، وتتصادم الذكريات، دون أن تنتج سردية جامعة. الفيلم يقول، دون خطاب مباشر، إن المجتمع الذي لا يبني ذاكرة مشتركة، يبقى مهددًا بتكرار العنف.
لكن، نقديًا، لا يمكن تجاهل بعض النواقص؛ فالفيلم، في انغماسه العميق في الدائرة العائلية، يظل منغلقًا نسبيًا على ذاته حتى وإن توسع من خلال الأرشيف. فالمتلقي غير العارف بالسياق اللبناني قد يجد صعوبة في الإمساك بالخيوط السياسية الأوسع، كما أن غياب المسافة بين المخرجة وموضوعها، رغم كونه خيارًا جماليًا وأخلاقيًا، يحرم الفيلم أحيانًا من توتر نقدي أكبر، ويجعل بعض اللحظات أقرب إلى البوح والهشاشة، وهذا الذي منحه الإخلاص والصدق. إن استحضار محمد سويد في هذا الموضع ليس مجرد عودة لاقتباس عابر، بل هو محاولة لفهم الوضع الذي مر به الوعي السينمائي اللبناني في مواجهة الدمار. وتأتي رندة الشهال في «حروبنا الطائشة» لترتقي بهذا البحث نحو منطقة أكثر حميمية وخطورة: تشريح الهزيمة من داخل الغرف المغلقة.
المقارنة هنا تضعنا أمام مدرستين في التعامل مع ما أسماه سويد «السينما المؤجلة»؛ فإذا كان جيل سويد قد انشغل بصياغة لغة بصرية تحاول لملمة “الشتات العام” ورصد أثر الحرب على “الآخر” المهمش، فإن الشهال في هذا الفيلم تمردت حتى على هذه المقاربة، محولةً الكاميرا إلى “مشرط” يواجه الذات والجسد العائلي مباشرة. لقد طبقت الشهال مفهوم “الإبداع الذي يتخذ مجراه الطبيعي” عبر نزع القداسة عن فكرة النضال؛ فبينما كان سويد يرصد انكسار الحلم في الشارع، كانت الشهال ترصد تآكل هذا الحلم في عيون شقيقها تميم وصمت شقيقتها نهلة. هنا يبرز البناء الذهني المشترك بين التجربتين؛ فالحرب عند سويد والشهال ليست “حدثاً” انتهى بتوقيع اتفاقيات السلام. الشهال تلتقي مع سويد في نقطة جوهرية: أن السينما الحقيقية هي التي تملك الشجاعة لتكون “هشة”، وأن الاعتراف بالخسارة الشخصية هو المدخل الوحيد لصياغة سردية وطنية صادقة.
وفي النهاية، أعود إلى سؤال البداية: هل النسيان فعل شفاء؟ تجيبنا الشهال من خلال فيلمها أن النسيان أكبر خطأ يقع فيه الإنسان. وعلمتني شوارع طرابلس المثقلة بالرصاص أن القصص الأكثر حقيقة هي تلك التي لا تكتمل، وأن الذاكرة الأبقى هي تلك التي تظل مشققة كجدران مدننا. هو فيلم يسكنه الألم، وفي كونه لم يحاول تجميل القبح، بل تركه عارياً كأثر باقٍ، وكذلك في الأسئلة التي تركتها معلقة بلا إجابات. ففي بلادٍ تمزقها الحروب، لا نحتاج إلى سينما تفسر لنا الموت، بل إلى سينما تمنحنا الحق في أن نتألم، وأن نتذكر. وهنا تكمن قوة وجمالية السينما في أنها مرآة لكل الوقائع التي نعيشها.
هذا المقال هو نتاج الدورة الأولى من ورشة “مختبر النقاد” لدعم الساحة النقدية العربية من تأطير المنذر الدمني و تنظيم شاشات – الجمعية التونسية للسينما و الثقافة ,ديسمبر 2025 -جانفي 2026